القرطبي

373

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : " ولئن أذقناه رحمة منا " عاقبة ورخاء وغنى " من بعد ضراء مسته " ضر وسقم وشدة وفقر . " ليقولن هذا لي " أي هذا شئ أستحقه على الله لرضاه بعملي ، فيرى النعمة حتما واجب على الله تعالى ، ولم يعلم أنه ابتلاه بالنعمة والمحنة ، ليتبين شكره وصبره . وقال ابن عباس : " هذا لي " أي هذا من عندي . " وما أظن الساعة قائمه ولئن رجعت إلى ربى ان لي عنده للحسنى " أي الجنة ، واللام للتأكيد . يتمنى الأماني بلا عمل . قال الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب : للكافر أمنيتان أما في الدنيا فيقول : " لئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى " ، وأما في الآخرة فيقول : " يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين " [ الأنعام : 27 ] و " يا ليتني كنت ترابا " [ النبأ : 40 ] . " فلننبئن الذين كفروا بما عملوا " أي لنجزينهم . قسم أقسم الله عليه . " ولنذيقنهم من عذاب غليظ " شديد . قوله تعالى : وإذا أنعمنا على الانسان " يريد الكافر " أعرض ونأى بجانبه " وقال ابن عباس : يريد عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف أعرضوا عن الإسلام وتباعدوا عنه . ومعنى " نأى بجانبه " أي ترفع عن الانقياد إلى الحق وتكبر على أنبياء الله . وقيل : " نأى " تباعد . يقال : نأيته ونأيت عنه نأيا بمعنى تباعدت عنه ، وأنايته فانتأى أبعدته فبعد ، وتناءوا تباعدوا ، والمنتأى الموضع البعيد ، قال النابغة فإنك كالليل الذي هو مدركي * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع وقرأ يزيد بن القعقاع و " ناء بجانبه " بالألف قبل الهمزة . فيجوز أن يكون من " ناء " إذا نهض . ويجوز أن يكون على قلب الهمزة بمعنى الأول . " وإذا مسه الشر " أي أصابه المكروه " فذو دعاء عريض " كثير ، والعرب تستعمل الطول والعرض في الكثرة . يقال : أطال فلان في الكلام وأعرض في الدعاء إذا أكثر . وقال ابن عباس : " فذو دعاء عريض " فذو تضرع واستغاثة . والكافر يعرف ربه في البلاء ولا يعرفه في الرخاء .